مثّلت الثقافة والمعرفة على طول خط البشرية الركيزة الأساس التي ابتنيت عليها الحضارات، ولذا عُدّ اختراع الحِرَف حدثاً لبزوغ فجر التاريخ للبشرية في مسيرتها الإنسانية.
ولما كانت البحوث والدراسات واحدة من أهم الركائز التي تستند عليها قافلة المعرفة، وكانت وصايا الدين تدعو إلى معرفة الآخر تحقيقاً للغاية الإلهية بجعلهم شعوبا وقبائل. فقد كانت رسالة مركزنا للآخرعن طريق الوسيط الاكاديمي ليكون هو كاتب الرسالة وحاملها والحادي الذي يحدو نوق المعرفة لها.
المقدمة
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاةُ والسلامُ الأتمّان الأكملان على سيد الأولين والآخرين وأشرف الخلق أجمعين، سراج المهتدين، والمبعوث رحمةً للعالمين، المصطفى محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين.. وبعد.
في ظل تسارع التحولات الجيوسياسية الراهنة، وتصاعد التنافس الدولي على الموارد والمعابر الاستراتيجية في القارة الإفريقية والعالم، يأتي إصدار هذا العدد من "مجلة دراسات إفريقية" ليُقدم مجموعةً من الدراسات العلمية والاستراتيجية التخصصية المعنية بتحليل التطورات التاريخية والجيوسياسية في القارة الإفريقية، وتعكس الأوراق البحثية المنشورة التزام المجلة بالمنهجية العلمية في معالجة القضايا الإفريقية.
تتصدّر بحوث هذا العدد دراسةٌ تاريخية واستراتيجية معمقة تناولت "التطورات السياسية والاقتصادية في جيبوتي (1999–2016)"؛ إذ تسلّط الضوء على التحول المحوري الذي شهدته هذه الدولة ذات الموقع الجيواستراتيجي الفائق الحساسية عند مضيق باب المندب. يرصد البحث بالتفصيل آليات هيمنة السلطة التنفيذية وترسيخ نظام الحكم عبر التعديلات الدستورية وتقييد حركة المعارضة السياسية، وفي المقابل، يكشف عن المفارقة بين هذا الانغلاق السياسي والتمدد الاقتصادي بسبب استغلال الموقع اللوجستي وجذب الاستثمارات الأجنبية الكبرى، مما أنقذ الخزينة من الركود لكنه لم يفلح في تقليص معدلات الفقر والبطالة أو معالجة التفاوت الطبقي الحاد، نظراً لما تعانيه جيبوتي ومعظم الدول الإفريقية من الفساد الإداري وسوء التخطيط.
وليس بعيداً عن ملفات الأمن القومي الشامل، تطرقت دراسة حالة أمنية وقانونية بالغة الأهمية إلى "الجرائم العابرة للحدود وأثرها على الأمن القومي السوداني: دراسة حالة الحدود السودانية–الليبية"، إذ استعرضت الدراسة كيف تحوّلت تلك المساحات الصحراوية الممتدة والهشة أمنياً—خصوصاً عقب اندلاع الأزمة الليبية بعد عام 2011—إلى بؤرة نشطة لشبكات الاتجار بالبشر، وتهريب السلاح والمخدرات، وتسلل الجماعات المسلحة. وتبيّن الدراسة أثر هذه الظواهر المباشر على تقويض سيادة الدولة، واستنزاف الاقتصاد الموازي للموارد الوطنية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، مؤكدةً ضرورة الجمع بين التنمية الحدودية، وتطوير البنية التشريعية والأمنية، وتفعيل آليات التعاون الإقليمي والدولي.
أما في مسار السياسة الدولية والتنافس الجيوسياسي، فتناولت إحدى أوراق هذا العدد بالبحث والتحليل "السياسة الخارجية الأمريكية تجاه جنوب إفريقيا"؛ إذ تتبع الدراسة التحولات السياسية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه جنوب إفريقيا بدءاً من عقود الحرب الباردة وانتهاجها لسياسة "الاحتواء البناء" المترددة إزاء نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) بهدف حماية المصالح الاقتصادية الأمريكية فيها، وصولاً إلى إصدار الكونغرس لقراره في عام 1986 بفرض عقوبات شاملة على نظام بريتوريا العنصري. كما استشرفت الدراسة أبعاد التوتر الراهن في العلاقات الثنائية جراء الموقف المحايد لبريتوريا من الحرب الروسية–الأوكرانية، وانضمامها إلى "تكتل بريكس"، ودعواها التاريخية ضد الكيان الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية.
كما تطرقت أوراق العدد إلى الجذور الثقافية والهوية الحضارية للقارة من خلال دراسة تحليلية ناقشت "العادات الإفريقية وموروثها الروحي والديني قبل الإسلام وبعده"، إذ تتبعت الدراسة الفلسفة الروحية القديمة القائمة على الإيمان بالإله الأعظم وتقديس الأسلاف والانسجام مع الطبيعة، وكيف شكلت هذه المعتقدات أرضية فطرية سهّلت استيعاب رسالة التوحيد الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي. وتبرز الدراسة كيف استطاع الإسلام أن يهذب الممارسات التقليدية دون استئصال الهوية الثقافية، لينتج نموذجاً فريداً من التآلف الحضاري الذي صمد في وجه محاولات المسخ والتغريب الاستعماري وموجات العولمة المعاصرة.
كما وتتناول الدراسة المعنونة "علاقات دولتي السودان وجنوب السودان: دراسة في عناصر النزاع ومسارات التكامل" الأبعاد التاريخية والجيوسياسية المترتبة على انفصال عام 2011. ويُحلل البحث الإشكاليات المسببة لتجدد النزاعات بين الخرطوم وجوبا، وفي مقدمتها ترسيم المناطق الحدودية غير المحسومة كمنطقة أبيي، والتنافس على حقول النفط ورسوم عبوره، وتداخل ملفات المعارضة المسلحة والحروب الداخلية في كلا البلدين. وتؤكد الدراسة أن العلاقات الاعتمادية المتبادلة في قطاع الطاقة، والميزات النسبية في الزراعة والتجارة الحدودية، بالتوازي مع الامتداد الاجتماعي والقبلي المتداخل عبر الحدود، تشكل مرتكزات أساسية لتجاوز الهشاشة الأمنية وتأسيس مشروع تكامل سياسي واقتصادي يستند إلى رؤية استراتيجية شاملة بين الدولتين.
وفي إطار دراسات الأمن البيئي المتصاعدة، رفدت مجلتنا في هذا العدد بتقرير تحليلي درس "تغير المناخ كعامل محفز للصراعات الجيوسياسية: دراسة حالة دول الساحل الإفريقي"؛ حيث بيّنت الباحثة كيف يتحول الجفاف الممتد والتصحر والفيضانات في هذه البيئة الشديدة الهشاشة إلى مضاعف للتهديدات؛ إذ يؤدي شح الموارد المائية والمراعي إلى تفاقم النزاعات الدموية بين الرعاة والمزارعين، وتسهيل استقطاب الجماعات الإرهابية والتكفيرية (كجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وداعش) للشباب وتجنيدهم في ظل الفقر وضعف الحوكمة وسوء الإدارة، ما يوقع الإقليم في حلقة مفرغة من العنف والنزوح والتدخلات الخارجية.
يستكمل عدد المجلة استعراض التاريخ السياسي لمنطقة البحيرات العظمى عبر بحث يتناول "جغرافية بوروندي وطبيعة نظامها الاجتماعي والسياسي حتى عام 1916"؛ إذ يستعرض البحث كيف أسهمت التضاريس الجبلية المعزولة والهضاب المرتفعة في تشكيل مملكة مركزية مستقلة بزعامة "الموامي"، وكيف عاشت المجموعات العرقية (الهوتو، التوتسي، التوا) حالةً من التعايش الاجتماعي والتكامل الإقطاعي التقليدي الموحد، قبل أن يخترق الاستكشاف والتمدد الاستعماري الألماني البلاد ويفرض نظام الحكم غير المباشر الذي بذر بذور التمايز الاجتماعي والتنافس السياسي حتى احتلال القوات البلجيكية لبوروندي عام 1916.
واختتاماً للأبواب العلمية لهذا العدد، تقدم المجلة قراءةً نقديةً منهجيةً بعنوان "رتبة المصدر السوداني في سلم مصادر تاريخ أفريقيا جنوب الصحراء: المزايا والمآخذ"، إذ يُخضع الباحث التراث التدويني للنقد والتحليل الأكاديمي الرصين؛ مستعرضاً قيمته الاستثنائية بوصفه منتجاً أهلياً صادراً من رحم المنطقة يزخر بالتراجم والتاريخ الشعبي، ومبيناً في الوقت ذاته مآخذه المتمثلة في الانحياز للبلاط السلطاني، والاعتماد المفرط على الروايات الشفوية، والإهمال الجزئي للتحليل الاقتصادي، ليصل إلى التصنيف المنهجي الدقيق لرتب هذه المصادر مقارنة بالنصوص العربية والأوروبية.
ختاماً، إن مركز الدراسات الإفريقية/ العتبة العباسية المقدسة وهيئة تحرير "مجلة دراسات إفريقية"، إذ يضعان بين يدي الباحثين والمفكرين وصناع القرار هذا العدد من المجلة، ليجددان العهد على الاستمرار في تقديم النتاج الفكري والأكاديمي المتميز، بما يخدم القضايا الإفريقية العادلة ويسهم في بناء وعي حضاري متين. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والأنام أجمعين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين.
مركز الدراسات الإفريقية